نصر حامد أبو زيد
189
الاتجاه العقلي في التفسير
يمتنع أن يكون له معنى ، فيجب أن لا يكون قبيحا ، لأن من حق الصدق ، إذا خرج من أن يكون عبثا ، بحصول غرض صحيح فيه ، أن يكون حسنا ، فإذا كان هذا حال المتشابه ، فكيف ينفي وقوعه من الحكيم ؟ » 172 . وإذا كان المحكم يدل بظاهره على ما يدل عليه العقل ، فالحاجة إليه تصبح ضرورية وهامة لمجادلة الخصوم الذين يتمسكون بظاهر المتشابه ، وذلك إلى جانب ضرورته لإثارة التأمل والحث على النظر والاستدلال . « إن المخالفين في التوحيد والعدل يمكن أن نحاجهم بذكر المحكم ونبين مخالفتهم لما أقروا بصحته في الجملة ، ويبعد ذلك في المتشابه ، فلذلك تجد كتب شيوخنا رحمهم اللّه مشحونة بذكر هذا الباب ليبينوا أن القوم كما خرجوا عن طريقة العقول فكذلك عن الكتاب » 173 . وهكذا يتحوّل القرآن بمحكمه ومتشابهه ، وكذلك المجاز ، إلى قرائن وأدلّة عقلية غايتها الحث على التأمل والنظر ومجادلة الخصوم وكشف تهافت حججه وأقاويله . ومن الطبيعي بعد ذلك أن يكون المتشابه مما يمكن معرفته ، لأنه لا بدّ أن يقع دلالة وإلّا كان اللّه عابثا بمخاطبتنا به . ومن الطبيعي أيضا أن يكون التوجيه النحوي للآية عند القاضي على العطف لا على الاستئناف ، ويكون الراسخون في العلم يعلمون المتشابه وهم « مع العلم بذلك يقولون آمنا به في أحوال علمهم به ليكمل مدحهم ، لأن العالم بالشيء إذا أظهر التصديق فقد بالغ بما يلزمه ، ولو علم وجحد لكان مذموما » 174 . وبذلك كله يكون القاضي عبد الجبار قد ربط بين المجاز والتأويل والمحكم والمتشابه . وربط كل هذه القضايا بالأساس العقلي للمعرفة عند المعتزلة . ويصبح هناك نوع من الموازاة بين المحكم والمتشابه من جهة ، والمعرفة الضرورية والمعرفة النظرية من جهة أخرى . يتشابه المحكم مع المعرفة الضرورية بوضوحه وانكشافه دون حاجة للاستدلال . وعلى العكس من ذلك المتشابه الذي لا يعرف المراد به إلّا بالتأمل والتأويل ، تماما كما لا يمكن التوصل إلى العلوم النظرية إلّا بالاستدلال والنظر . وكما أن العلوم الضرورية تعدّ أساسا للعلوم النظرية ، فكذلك المحكم يعدّ أساسا لفهم المتشابه . ونتيجة لذلك كله يصبح التأويل قرينا للاستدلال ومرادفا له بنفس القدر الذي أصبحت فيه اللغة نوعا ثالثا من الدلالة العقلية لها شروطها الخاصة لوقوعها دلالة . ومن الضروري - لاكتمال جوانب دراستنا - أن نعرض لبعض جهود القاضي عبد الجبار في التأويل . ولمّا كانت جهود المعتزلة في التأويل تنصبّ أساسا